الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
127
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
منهم ، ألم تكن الأرض تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن والمزارع والمعائش فانّهم والموت يفنيهم أولا فأولا يتنافسون في المساكن والمزارع ، حتى تنشب بينهم في ذلك الحروب وتسفك فيهم الدماء ، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون وكان يغلب عليهم الحرص والشره وقساوة القلوب ، فلو وثقوا بأنّهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشيء يناله ، ولا أفرج لأحد عن شيء يسأله ، ولا سلا عن شيء مما يحدث عليه ، ثم كانوا يملّون الحياة وكلّ شيء من أمور الدنيا كما قد يملّ الحياة من طال عمره حتى يتمنّى الموت والراحة من الدنيا . فإن قالوا : انهّ كان ينبغي أن يرفع عنهم المكاره والأوصاب حتى لا يتمنّوا الموت ولا يشتاقوا إليه ، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه العتو والأشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدنيا والدين . وإن قالوا : انهّ كان ينبغي ألّا يتوالدوا كيلا تضيق عنهم المساكن والمعائش ، قيل لهم : إذن كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم اللّه تعالى ومواهبه في الدارين جميعا إذا لم يدخل العالم إلّا قرن واحد لا يتوالدون ولا يتناسلون . فإن قالوا : انهّ كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم ، يقال لهم : رجع الأمر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعائش عنهم ، ثم لو كانوا لا يتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الأنس بالقرابات وذوي الأرحام والانتصار بهم عند الشدائد ، وموضع تربية الأولاد والسرور بهم ، ففي هذا دليل على أنّ كلّ ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جرى به التدبير خطأ وسفه من الرأي والقول ( 1 ) .
--> ( 1 ) توحيد المفضل : 171 ، والنقل بتصرف يسير .